ابن خلكان

66

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

بعد ذلك بقليل ملكوا نيسابور ، إحدى قواعد خراسان ، في شهر رمضان من السنة المذكورة ، وكان السلطان طغرلبك المذكور كبيرهم ، وإليه الأمر والنهي في السلطنة ، وأخذ أخوه داود المذكور مدينة بلخ ، وهو والد ألب أرسلان - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - واتسع لهم الملك واقتسموا البلاد ، وانحاز مسعود إلى غزنة وتلك النواحي ، وكانوا يخطبون له في أول الأمر ، وعظم شأنهم إلى أن راسلهم الإمام القائم بأمر اللّه ، وكان الرسول الذي أرسله إليهم القاضي أبا الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي ، مصنف « الحاوي » في الفقه - وقد تقدم ذكره « 1 » - ثم ملك بغداد والعراق ، في سادس عشر شهر رمضان المعظم ، سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، وأوصاهم بتقوى اللّه تعالى والعدل في الرّعية والرفق بهم وبثّ الإحسان إلى الناس . وكان طغرلبك حليما كريما محافظا على الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة ، وكان يصوم الاثنين والخميس ويكثر الصدقات ويبني المساجد ، ويقول : أستحيي من اللّه سبحانه وتعالى أن أبني لي دارا ولا أبني إلى جانبها مسجدا . ومن محاسنه المسطورة أنه سير الشريف ناصر بن إسماعيل رسولا إلى ملكة الروم ، وكانت إذ ذاك امرأة كافرة ، فاستأذنها الشريف في الصلاة بجامع القسطنطينية جماعة يوم الجمعة ، فأذنت له في ذلك ، فصلى وخطب للإمام القائم ، وكان رسول المستنصر العبيدي صاحب مصر حاضرا فأنكر ذلك ، وكان من أكبر الأسباب في فساد الحال بين المصريين والروم . ولما تمهدت له البلاد وملك العراق وبغداد ، سير إلى الإمام القائم وخطب ابنته ، فشق على القائم ذلك واستعفى منه ، وترددت الرسل بينهما ، ذكر ذلك في « الشذور » سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة ، فلم يجد من ذلك بدا فزوجه بها ، وعقد العقد بظاهر مدينة تبريز ، ثم توجه إلى بغداد في سنة خمس وخمسين وأربعمائة ، ولما دخلها سير طلب الزفاف وحمل مائة ألف دينار برسم حمل القماش ونقله ، فزفت إليه ليلة الاثنين خامس عشر صفر بدار المملكة ، وجلست على سرير ملبس بالذهب ، ودخل إليها السلطان فقبل الأرض بين يديها ولم يكشف

--> ( 1 ) انظر ج 3 : 282 .